|
  
تشخيص مشكلة شرق
السودان
ودعوة
للإشراف البحثي
..
تشخيص مشكلة شرق
السودان موضوع كبير يستحق تحليل أوفى ودراسة أعمق بل ربما بحث تخصصى فى
مستوى ماجستير أو دكتوراة ، ومن هذا المنطلق لا أمانع من تقديم خدمات
إشراف على هذا الموضوع أو فى إطاره لكل من يستأنس الرغبة فى نفسه لنيل
درجة علمية عليا فى هذا المجال على أن تتم موافقة الجامعة التى يسجل
فيها على الإشراف من مكان تواجدى الحالى.
من خلال إستقرائى
لماضى وواقع شرق السودان يمكن القول أن مشكلة االشرق تكمن فى الثلاثى
المعروف بالحهل و الفقر والمرض . لا شك أن هنالك إرتباط وثيق بين
العوامل الثلاث ، حيث نجد الجهل (جهل المعرفة) يولد الفقر (فقر
القدرات) كما أن إجتماع الجهل و الفقر معاً يسهمان فى خلق عامل المرض
الذى بدوره يزيد من حدة الجهل و الفقر معاً لتزداد بعد ذلك قاعدة
المثلث مما يعنى ذلك إتساع مساحة البؤس و الإنحلال الإجتماعى الذى
بدوره يسهم فى فناء القومية أو المجتمع.
السؤال الذى نود
الإجابة عليه بصورة عامة فى هذا المقال هو ماهى أهم العوامل التى ساهمت
فى تفعيل العوامل الثلاث المذكورة (الجهل-الفقر-المرض) فى شرق السودان
؟. للإجابة للسؤال المطروح سوف نستخدم المنهج الإستنباطى (أى إستنباط
المسببات من واقع الحال) ، حيث لا تتوفر لدينا بيانات ومعلومات تفيد
إستخدام المنهج التحليلى الكمى الأكثر دقة وقبولاً من حيث المنهجية
البحثية.
لتشخيص المشكلة بصورة
عامة ، دعنا نقسم "محور الشرق" إلى ثلاث محاور( تمشياً مع مصطلحات حزب
المؤتمر الوطني الحاكم ) ليس من باب الدعوة لتمكين أحد هذه المحاور على
حساب الأخرى بل من باب تشخيص مسببات البؤس فى هذه المحاور.
تتضمن المحاور الثلاث
:
1- محور مناطق البحر
الأحمر
2- محور حوض القاش
3- محور الحدود
الشرقية المتاخمة لإريتريا وأثيوبيا.
قبل وفاة الداعية
الإسلامى والمصلح الاجتماعي الشيخ على بيتاى تعتبر مناطق همشكوريب محور
قائم بذاته جدير بالإهتمام ، لكن بعد وفاته أصبحت هذه المنطقة لا تختلف
كثيراً عن بقية مناطق الشرق المنكوبة ، سوف نسلط بعض الأضواء لتلك
التجربة الفريدة و القصيرة.
بالنظر إلى المحاور
الثلاث من حيث المجتمعات التى تسكن فيها تاريخياً نجد جميعها من قبائل
البجا التي لا تختلف عن بعضها من حيث العادات و التقاليد والدين واللغة
وبالرغم أن هنالك تداخل بين هذه القبائل في المحاور الثلاث إلا أن
الاختلاف بين المحاور الثلاث يتمثل فى وجود عاملين هامين ، هما درجة
هيمنة وتسلط الإدارات الأهلية ، ودرجة الولاء والاستسلام للطريقة
الختمية التي أبتلى بها شرق السودان.
محور
البحر الأحمر:
رغم توفر الموارد الطبيعية و الزراعية الكفيلة بتوفير حياة كريمة لسكان
هذا المحور نجد هذا المحور يتصدر المحاور الثلاث من حيث البؤس والشقاء
والجهل ، كما أنه يتميز بوجود هيمنة كاملة للإدارة الأهلية وتبعية
للطريقة الختمية فى آن واحد. ننظر إلى بعض المعلومات المخيفة الصادرة
عن تقارير دولية بخصوص هذا المحور.
تقارير المنظمات
الإنسانية الدولية كأوكسام ومنظمة الغذاء العالمية تشير أن نسبة
الإصابة بالسل فى مناطق جبال البحر الأحمر هي الأعلى في العالم ، ونسبة
وفيات الحوامل تعتبر الأعلى فى العالم ، وكما أن نسبة وفيات الأطفال
قبل العام الخامس من العمر الأعلى في العالم. رغم ذلك كله نجد جزء كبير
من موارد هذا الإقليم توجه لدعم ميزانية الحكومة المركزية.
محور حوض القاش :
نلاحظ هيمنة قوية مسنودة من السلطات الحكومية للإدارة الأهلية فى هذا
المحور، رغم تمرد وعدم إنصياع جزء كبير من سكان المنطقة عليها، كما أن
درجة الولاء للطريقة الختمية أقل ًمقارنة بمحور البحر الأحمر. يلاحظ
وجود ثلاثي الفقر والجهل والمرض أيضاً فى هذا المحور لكن بدرجة أقل
نسبياً من المحور السابق.
محور الحدود الشرقية:
يتميز هذا المحور بوجود هيمنة أقل للإدارة الأهلية ، كما نلاحظ أيضاً
تحرر شبه كامل من مفاهيم الطريقة الختمية السائدة فى بقية مناطق الشرق.
بالرغم أن هذه المنطقة شهدت عدة حروب مدمرة على مسرحها مروراً بالحرب
الأريترية الأثيوبية ثم حروب المعارضات السودانية المختلفة نجدها
نسبياً الأقل تأثراً بالثلاثي المذكور.
تجربة الشيخ على
بيتاى: إستطاع الشيخ على بيتاى (رحمة الله علية) قبل وفاتة من إحداث
طفرة و نهضة اجتماعية غير مسبوقة فى فترة وجيزة للغاية فى أكثر المناطق
تخلفاً وجهلاً في شرق السودان. من الأليات الهامة التى إستند عليها فى
تنفيذ مشروعه الحضاري كسر قبضة الإدارة الأهلية وهيمنة الطريقة الختمية
فى مناطقه ، ثم بعد ذلك بدأ بنشر خلاوى القرآن الكريم والمدارس جنباً
إلى جنب ، بالإضافة لتشجيع العمل التجاري الجماعي لذلك المجتمع. ولذلك
أول ما بدأ به هو تحريرالفكر لإنسان المنطقة من عبادة العباد إلى عبادة
الواحد الأحد. لذلك ليس من باب الصدفة إذ نجد أن الشيخ على بيتاى فى
بداية دعوته واجه حرباً قاسية من الإدارة الأهلية فى المنطقة وطريقة
الختمية التى كانت تملك زمام الحكم آنذاك ، حيث تم سجنه لفترة طويلة و
لم تتوفرالبيئة المناسبة لتنفيذ مشروعه الإجتماعى إلا بعد أن جاء حكم
نميرى الذى قلص نفوذ الختمية فى السلطة وهيمنة الإدارة الأهلية فى كل
أرجاء السودان. ومن دواعى الإستغراب حقاً أن بعض الذين يدعون تبنى قضية
الشرق يطالبون بتوسيع نفوذ الإدارات الأهلية فى شرق السودان.
من خلال ما قدم من
عرض بصورة عامة لتحليل مسببات الجهل و الفقر و المرض فى شرق
السودان يمكن إستنتاج
نتيجة بسيطة مفادها أن أول خطوة لمحاولة ا لتغيير الاجتماعي في شرق
السودان لا بد أن تبدأ من تحرير المواطن البجاوى من تسلط الإدارة
الأهلية و مفاهيم الطريقة الختمية التى أضرت بالشرق كثيراً. كيف يمكن
تنفيذ ذلك؟ إيجاد الإجابة لهذا السؤال ربما تكون ضمن نتائج الدراسة
المقترحة .
د. إبراهيم أحمد أونور

|