البجا في شرق السودان ..غموض التاريخ وبؤس الحال

 

البجا من القبائل التي تثير الكثير من الجدل وتشكل وزنا ذا قيمة في المناطق التي تقطن فيها من الناحية التاريخية والتكوين السلالي وتمثل قبائل البجا في مجملها مجموعات سكانية يبلغ تعدادها حوالي مليوني نسمة ويعيشون في ثلاث دول ..على الحدود الجنوبية الشرقية لمصر في إرتريا يقيمون في أجزائها الشمالية والغربية في السودان على سهول وجبال البحر الأحمر معظمهم يعيش على النمط البدائي المتنقل الذي لا يختلف عن نمط حياة أسلافهم الذين عاشوه قبل ألف سنة.

يهتم البجا بتربية الجمال التي تمثل حياتهم وعصب القبيلة. وتعتبر القهوة من أهم ملامح حياتهم اليومية وجزءا من التراث، ولهم فراسة عجيبة فقد يستطيعون معرفة الزمن بالاستدلال بالنجوم في حلكة الليالي ويستخرجون أدويتهم من الأشجار التي حولهم بعد خلطها بحليب نوقهم، وهم مسلمون

تشير الكتابات الهيروغلوفية عند قدماء المصريين إلى أن البجا كانوا يستوطنون في ذات الإقليم الذي يسكنونه حاليا منذ آلاف السنين ولم تكن لهم لغة مكتوبة خاصة بهم وبالتالي لم يتم تدوين الكثير من تاريخهم القديم، ولكن وُجد ذكر للبجا في كتابات بعض الذين كانوا من حولهم أو تلك الكتابات التي تناولت مجموعات كانت قريبة منهم.

في القرن الخامس الميلادي كان البجا يقطنون منطقة وادي النيل وكانوا يهاجمون الدولة الرومانية في مصر مما حدا بملك الرومان في ذلك الوقت أن يرسل جيشا جرارا لقتالهم. وتحت وطأة الضغط من الجيش الروماني تراجع البجا إلى مناطق جبال البحر الأحمر ذات التضاريس القاسية.

في حوالي القرن الرابع الميلادي تنصرت مملكة النوبة السودانية وبعدها في حوالي القرنين السابع والثامن الميلادي جاء الإسلام ودخل إلى بلاد النوبة ولكن أي من الديانتين لم تدخل مناطق البجا ربما بسبب الصحراء الفاصلة.

وبعد ذلك اعتنق البجا الإسلام في منتصف القرن التاسع الميلادي بعد اكتشاف الذهب في جبال البحر الأحمر، ودخل العرب تلك المنطقة واختلطوا بالبجا. وينقسم البجا إلى خمس قبائل هي الهدندوة والأمرأر والبشاريين والبني عامر والحلنقة ويتحدثون بلغتين هما التبداوية والتيجري.

يقول صالح ضرار المؤرخ البجا إن البجاوي في مظهره صغير البنية متوسط القامة خفيف الحركة سريع وله وجه نحيل بيضاوي وفكه غير عريض ولكنه ينزل في زاوية حادة إلى الذقن فتصبح كأنها زاوية المثلث، وبشرته تشوبها حمرة وشعره ناعم وكث تغلب عليه الأمواج وانفه حسن الاستقامة ويبدو مثالا حسنا للأنف القوقازي.

اتفق المؤرخون على أن البجا من أبناء كوش بن كنعان وبذلك هم ينتمون إلى الشعوب السامية الذين نزحوا من بلاد العرب منذ عصور موغلة في القدم ويؤيد نعوم شقير المؤرخ المعروف ذلك الرأي ويقول إنه من الثابت أن البجا من سلالة غير سوداء.

وبعضهم يرجع البجا إلى أصول عربية هاجرت من الشام وهم محاربون أشداء هزموا الجيش البريطاني بقيادة عثمان دقنة وقد ألهم ذلك الشاعر البريطاني كيبلنغ الذي قال فيهم: إلى البجاوي ذي الشعر الأشعث لقد حاربنا كثيراً من الرجال في البحر وفي بورما وغيرها ولكن لم نجد أشجع منك اللغة والعادات هناك العديد من المميزات الثقافية التي يتميز بها البجا.

يرتدون الجلباب الأبيض العادي عليه الصدرية وعلى رأسهم العمامة الطويلة البيضاء وغالبا ما يمتشقون السيوف والخناجر التي يسمونها الشوتال وهم يرقصون بالسيوف إضافة إلى وظيفتها الأساسية في الدفاع عن النفس وشعرهم الكث يمشطونه بمشط يسمى الخلال غالبا يصنع من خشب البيئة المحلية.

المرأة البجاوية ترتدي الثوب الذي يغطي جسدها بالكامل وعادة ما يكون من غير اللون الأسود مثل الأحمر والأخضر وغيرها ولها زمام تضعه على انفها وتكاد هذه السمة تكون مميزة للمرأة البجاوية.

للقهوة عند البجا وضع خاص في أنفسهم وهم يسمونها الجبنة ولها طقوس خاصة ففي جلستها يتبادلون الأخبار ويكملون وينجزون مناسباتهم الاجتماعية وبها تعقد جلسات الزواج والصلح وغيره.

تبدأ جلسة القهوة بتحميص البن على النار ثم طحنه وخلطه مع الزنجبيل ثم يغلى الخليط في النار ويصفى بمصفاة مصنوعة من المواد المحلية وتسكب على الفناجين ويحتسي الواحد منهم ما طاب له مثنى وثلاث ورباع وأحيانا ستة فناجين في الجلسة الواحدة.

يتحدث البجا لغتين أساسيتين هما التبداوية والتيجرية وهما مختلفتان جدا من حيث المفردات والتراكيب فالتبداوية مشتقة من اللغة الكوشية وقد تعرضت لكثير من التأثيرات من اللغة العربية والتيجرية. ويتحدث بها معظم البجا ولكنها غير مكتوبة وبالتالي ليس لديها أدب إلا شفهي.

أما اللغة الثانية فهي التيجرية وهي من اللغات السامية اشتقت من لغة الجيز وهي اللغة التي كانت مستخدمة في الكنيسة الأرثوذكسية الأثيوبية، وغالب من يتحدثون من البجا بالتيجرية هم البني عامر. وقد كتبت تلك اللغة بواسطة قسيس سويدي عندما دون بها الإنجيل ولكن ذلك اصبح عائقا لكثير من البني عامر الذين معظمهم مسلمون ويودون أن تكتب لغتهم بالحروف العربية وغالبا يتحدث البجا العربية كلغة ثانية لهم بسبب الإسلام.

لا تختلف عادات الزواج عند البجا كثيرا عن العادات الإسلامية فهم بعد أن يتم عقد القران يذهبون بالعريس إلى بيت أهل العروس ومن ثم يأخذون العروس إلى بيت الزوجية الجديد ولا يقترب أحد من ذلك البيت لفترة زمنية محددة حسب الأعراف، وتنحر الإبل في هذه المناسبة ويتم الزواج وفق العادات القبلية المتبعة.

عانى البجا كثيرا ومازالوا يعانون من شظف العيش بسبب الصحراء وقلة الأمطار التي يعتمدون عليها في الزراعة ونبات العشب الصالح لإبلهم وماشيتهم التي نفق معظمها خلال الثمانينات وبذلك نزحوا إلى أطراف المدن ولكن مازال القليل منهم يحافظ على بيئته التي نشأ فيها. وهذا النزوح أثر على اللغة الأصلية وقد تجد في بيت البجاوي أن الوالد يتحدث لغة أجداده ولكن أبناءه لا يستطيعون التحدث بها .

 

المجلة السودانية